السيد محمد تقي المدرسي
28
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
بينما الساهي اللاهي الذي يعيش تمنّيات الخلود لا يجد دافعاً نحو التفكّر . ومثله الذي لا يضبط حديثه وفق مقياس فكره ، فيقول ما لا يعلم أو ما لا ينفع أو ما يضّره السكوت عليه ، فإذا بالصواب يضيع في زحمة الثرثرة ، والحكمة تخفى بين ركام الكلمات التافهة . . وهكذا يعين هواه على هدم عقله . يقول عنه الإمامعليه السلام - : ( ومحى طرائف حكمته بفضول كلامه ) . أما الصفة الثالثة التي تهدم العقل فهي النظرة المنبعثة عن الشهوة ، وليس عن العبرة ، وبين الشهوة والعبرة تناقض . واليك بيان ذلك : إذا استهوتك فتاة بفتنتها وجمالها ، فإنك لا تستطيع أنُ تفكّر في عواقب الزواج معها ، ولا تنظر إلى المسألة الا من بُعْدٍ واحد ، وإذا دعتك العصبيَّة إلى عداوة تجمُّع لا تنظر إلى أيّة صفة إيجابية فيهم ، ولا يمكنك أن تقيّم موقفك منهم تقييماً إيجابياً . إنّ نظرة الإنسان نافذة عقله ، ولكن شريطة أنْ ندعها حرة طليقة ، أمّا النظرة الموجّهة بالرضا والغضب ، بالشهوات والأهواء ، فإنّها لا تعود إليك إلّا بما أرسلتها اليه ، لا بالحقائق الموضوعية ، من هنا يقول الإمامعليه السلام - عمن يهدم عقله : ( وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنما أعان هواه على هَدْم عقله ، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه ) . ثالثاً : إنما يتقبّل الله العمل النّقي من شوائب الفخر والرياء وطهارة العمل ونقاؤه رهين أدائه بقلبٍ سليم ، ونَّيةٍ خالصة ، وبرعاية حدوده ، وعدم إلحاق ما يبطله به ، كالّمن والأذى والاستطالة على الآخرين ، وكل ذلك لا يكون إلا بتحقيق هدف الأعمال الصالحة المتمثِّل في إخلاص العبودية لله . . وتزكية النفس عن أدران الكبر والجهل لا تكون إلّا بالانتفاع من العقل لمعرفة شروط صحة العمل الظاهرة منها والباطنة . هكذا يقول الإمام موسى بن جعفرعليه السلام - : ( كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربك ، وأطعت هواك على غلبة عقلك ؟ ) .